بقلم: د. إبراهيم ربايعة - أكاديمي وباحث في السياسة والعلاقات الدولية

في أيار 2021، كانت فلسطين على موعد مع انتخابات تشريعية استثنائية، يمارس فيها أكثر من مليون شاب حق الاقتراع للمرة الأولى. ما دفع باتجاه حالة زخم غير مسبوقة، نقاشات وحوارات وتشكيل قوائم انتخابية وجدل حول موقع ودور الشباب في الحياة السياسية الفلسطينية. لم يكن هذا الزخم مستغرباً في ظل انسداد قنوات المشاركة السياسية منذ آخر انتخابات تشريعية عام 2006، وما أنتجت من غياب للتمثيل وممارسة العمل السياسي التمثيلي من قبل الشباب.

ومع تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، علقت طموحات المشاركة والتمثيل السياسي لدى الشباب، كما باقي مكونات المجتمع السياسي الفلسطيني، وهذا ما أعادة وضع الديمقراطية في السياق الفلسطيني، موضع اختبار جدي، لكن الأشهر التي سبقت الموعد الذي كان مفترضاً للانتخابات، وضعت علامات استفهام حقيقية أمام فهم الأحزاب ومكونات الفضاء السياسي الفلسطيني لأهمية دور الشباب، وتمثيلهم، في المجلس التشريعي ومراكز صنع القرار، إذ وضع الشباب في قوائم الفصائل الرئيسية بمواضع متأخرة، أو مواضع تجميلية في أحسن الأحوال، رغم حضور قضايا الشباب فيما اعلن عن برامج انتخابية.

يعاني الشباب، كما كافة الشرائح في المجتمع الفلسطيني، من أزمة انزياح الفضاء السياسي الفلسطيني من العام الشامل والجامع، والباحث عن تقديم سياسات تمثل وتخدم كافة المواطنين، إلى فضاء سياسي منكمش، حزبي وفصائلي، يضيق من قواعد المستفيدين من السياسات ومساحات الفعل السياسي.

إن تجربة ديمقراطية فلسطينية فاعلة، كان لها أن تقدم نموذجاً من السياسات العامة الشاملة والجامعة، من خلال توسيع قاعدة النقاش والفعل والتفاعل والمراجعة والتعديل على التشريعات والسياسات، ومن خلال توفير "حساس" فاعل لأثر السياسات وتأثيرها. فاليوم يقف الشباب الفلسطيني أمام أسئلة مصيرية أهمها نظام التعليم العالي وفعالياته، وقدرته على مواكبة تحديات القرن الحادي والعشرون، التشغيل والسوق وقدرته ومدى استجابته لاحتياجات المجتمع الفلسطيني، برامج التربية المدنية ومصادر بناء الثقافة السياسية بمواجهة الاحتلال وسياساته، وغيرها من الأسئلة التي من الصعب التفاعل معها دون حياة ديمقراطية حقة.

ولذلك، وفي ظل هذا السياق الشائك، من الطبيعي ضعف حضور الشباب في مراكز صنع القرار، وهامشية تأثير الشباب الحاضرين في مواقع التغيير المفترضة، فمنظومة بناء وهندسة السياسات العامة فردانية ومحدودة لا يمكن لفرد أو بنى بيروقراطية منعزلة التأثير فيها وتغييرها. ما يجعل من الديمقراطية مساراً إجبارياً وملحاً، ليس من اجل ممارسة الانتخابات والتمثيل فحسب، بل من اجل التغيير الإيجابي وتقديم معالجات جذرية بنيوية للاختلالات المتراكمة.

وامام الاحتلال، المعيق الأساس بوجه انتاج ديمقراطية ناجزة، والانقسام، الضربة الداخلية التي أطاحت بنواة البناء الديمقراطي الفلسطيني، تتعقد مهمة إحداث التغيير المنشود. محلياً، ما يزال المجتمع المدني الفلسطيني مطالب بالمزيد من أجل إحداث التغيير المنشود، من خلال ممارسة دوره في الضغط والتهيئة الاجتماعية وتوفير حواضن التربية المدنية الفاعلة من أجل الشباب. ويصبح دور المجتمع المدني أكثر إلحاحاً مع تراجع سيادة القانون لصالح العائلة والعشيرة التي يتراجع موقع الشباب فيها وتتراجع قضاياه.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.