كتابة: محمود حسنين

ليس غريباً أن تزور مخيماً ولا ترى على عتبة عيادة الأونروا مجموعة من النساء ينتظرن دورهن في العلاج وأخذ الدواء، سيل النساء هذا لا ينقطع، ففي شمال مدينة رام الله يتربع مخيم الجلزون أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، الذي يقطنه آلاف اللاجئين، وأكثر من 50% من سكانه من النساء التي أصابتهن الأمراض منذ الصغر.

وكأن القدر خط قلمه على هؤلاء النساء، في الصباح يذهب أطفالهن إلى المدراس وهنَّ يمضين والأمراض تنهش أجسادهن إلى عيادة الأونروا لعلهن يجدن بعض الدواء لأمراضهن المزمنة كالضغط والسكري والاكتئاب، هذا المشهد يتكرر يومياً وتتزايد أعداد النساء المرضى في فصل الشتاء عندما تغزو الأمراض أجسادهن الهزيلة.

ورغم كل ذلك فإن نقص الدواء الحاد الذي تقدمه الأونروا أضاف ثقلاً أخر على أثقالهن، فلا يجدن إلا أدوية قليلة، والجزء الأكبر أصبحن مضطرات إلى شراءه من الصيدلية، وغالباً فإن هذا الدواء يكون ثمنه مرتفعاً جداً وعبئاً على جيوبهن الفارغة من النقود أصلاً.

ولذلك تحاول بعض المجموعات الشبابية من داخل المخيم أن يوفروا للنساء وخاصة كبار السن بعض الأدوية، جهود مشكورة ولكن هل يمكن أن تُفرغ مياه البحر بملعقة صغيرة؟!، هذه الجهود تأتي لسد الفراغ الكبير الذي يحتاجه المخيم بسبب غياب دور السلطة الفلسطينية ودور وكالة الأونروا في تقديم الخدمات اللازمة للمخيمات وقاطنيها.

واقع المرأة اللاجئة في المخيمات لا يراه إلا اللاجئ، ومهما صال الزائر وجال فإنه لا يستطيع أن يكتشف ما تمر به المرأة الفلسطينية بين جدران المخيم، فكثير منهن يعانين من عنف اجتماعي ونفسي واقتصادي وكل ذلك ناجم عن مجموعة من المشاكل أهمها الفقر والبطالة، وكأن المخيم أصبح كرة ثلج تتدحرج وتزداد حجماً يوما بعد يوم وتسحق ما يقف بطريقها، وطبعاً الفئة الضعيفة وهي النساء هي المكتوية أكثر مما يحصل.

فليس غريباً إن مررت من أحد الأزقة ووجدت امرأة في دكان صغير تديره لتؤمن لبيتها ما يلزم، فهذا أصبح من البديهيات في المخيم، ومن لم تستطع أن تفتح دكاناً تجدها تطبخ في بيتها وتبيع منتجاتها إما لعائلات أو لبعض المطاعم، وجزء كبير من النساء المبدعات في عمل الحلويات أصبحن يجدن فرصة لمساعدة أزاوجهن في زيادة الدخل للعائلة من صنع الحلوى وتسويقها داخل المحلات في المخيم.

ورغم ذلك لم تكن معاناة اللاجئات أقل وطأة وقسوة خارج المخيم، فعلى الرغم من كل الظروف القاسية فقد خرجن وتعلمن في الجامعات وعملن بجد واجتهاد، ولا يمكن التغاضي عن إنجازاتهن، وتحدياتهن لكل الصعوبات من أجل معالجة ما أمكن من آلام اللجوء.

بعد أكثر من سبعة عقود على النكبة أصبح اللاجئين يؤمنون أن بيئة المخيم غير صحية ولا تصلح للحياة لمدة أطول، وأصبحت آثار هذه المعيشة تظهر بشكل أوضح على النساء، فيهرمنَّ مُبكراً وينتقلن من الطفولة الى الكهولة دفعة واحدة، فالجدران المُعششة بالرطبة وغياب الشمس عن المنازل والهواء الملوث بكل الروائح من دخان مدافئ الحطب وعوادم السيارات وفيضان مصارف الصرف الصحي بين الحين والآخر يجعل المعيشة لا تطاق.

عزيزي الزائر لا تغرنّك الضحكة والبسمة على وجوه النساء في بعض اللحظات، فهن لسن سعيدات وما يختلج في نفوسهن لا يُرى، ولا يرى ذلك إلا من ذاق مرارة التجربة أو عاش في المخيم لشهر واحد، وسيصلك اليقين عندما تنظر إلى امرأة في المخيم وتسأل نفسك ماذا كانت ستكون لو ولدت في غير المخيم؟!.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.