بقلم: عبد المجيد سويلم

الجواب عن هذا السؤال سيعتمد بكل تأكيد على مقياس النجاح عند كل طرف من أطراف الحوار. فالنجاح بالنسبة لحركة فتح مقياسه الحفاظ على تماسك الوضع الداخلي الفلسطيني، بما يؤهل هذا الوضع للتعامل مع تحديات المرحلة، وخصوصاً عودة فلسطين الى دائرة الاهتمام الدولي والإقليمي، وبما يجدد الشرعيات الوطنية، وينهي حالة الانقسام، في حين ان نجاح الحوار بالنسبة لحركة حماس سيعتمد على درجة «شرعنة» الحركة في النظام السياسي، والحفاظ على دور فاعل ومؤثر في هذا النظام. يضاف الى ذلك فإن من أولويات حركة حماس «الاحتفاظ» بأعلى درجة ممكنة من التأثير على مجريات الأمور في قطاع غزة فيما إذا سارت الأمور باتجاه وحدة مؤسسات السلطة، والذهاب الى حدود السلطة الواحدة، والحكومة الموحدة، وفيما إذا وصلت الى إعادة إدماج «مؤسسات الحكم الحمساوية» في المؤسسات العامة للحكم في فلسطين.


وإذا جاز لنا الحديث عن رؤى ومصالح خاصة باليسار الفلسطيني فإن معيار النجاح لهذه الحوارات سيتركز على بلورة ما يمكن اعتباره «الدور والمكانة» الثالثة لتمثيل حالة التوازن المرجوة وذلك بهدف كسر حالة الاستقطاب الحادة، والحد من حالة الهيمنة التي تكرسها الاستقطابية الحادة في الواقع الفلسطيني.

من الواضح هنا ان ثمة تقاطعات كثيرة بين هذه الرؤى لدى الاتجاهات الثلاثة، وهناك من الأهداف المشتركة فيما بينها على الرغم من اختلاف منظومة الأولويات لدى كل طرف من الأطراف.

قائمة او قوائم المستقلين ربما تكون اللغز الحقيقي في الانتخابات التشريعية القادمة من زاوية السعي لأن تكون قوائم عابرة للاستقطابية، وصاحبة مصلحة مباشرة في إنهاء الانقسام والاقتسام، كما أنها القوائم الأكثر قدرة على الوقوف في وجه ظواهر ومظاهر الفساد السياسي والمالي على حد سواء، والأكثر تعبيراً عن أهمية إعادة بناء النظام السياسي على أسس مستقرة وديمقراطية، وبناء نموذج وطني ديمقراطي للتنمية الوطنية، وصولا ربما الى اعتماد أسس ومبادئ من الاقتصاد الاجتماعي، وهو الاقتصاد الأكثر كفاءةً للأوضاع التي تمر بها فلسطين، نظراً لارتباط هذه الأسس والمبادئ بشبكات الأمان الاجتماعي ومعدلات أعلى للأجور الفعلية، ومنظومات فعالة ضد الفقر والبطالة. ويكمن اللغز الحقيقي في تفسير بل وتعريف المستقل وظاهر ما يعرف بالمستقلين.

جرت العادة في الساحة الفلسطينية على اعتبار ظاهرة المستقلين ظاهرة «سلبية» طالما كانت هذه الظاهرة خارجة عن منظومة الهيمنة والتبعية الفصائلية المباشرة، وكان الوصف الذي يطلق على المستقلين بهذا المعنى سلبياً واتهامياً ويشي ويوحي بارتباطات مشوشة، ومرجعيات مبهمة. وكثيراً ما كان يجري تقاسم هؤلاء المستقلين او من هم في حكمهم بين الفصائل والاتفاق والتوافق عليهم، الى درجة «النسف» الكامل لأي إمكانية ان يكونوا مستقلين او يظلوا كذلك. ليس هذا فقط وإنما وفي بعض الأحيان وإرضاءً من التنظيمات لبعض كوادرها القيادية، ونظراً لشدة الازدحام والتزاحم بين هذه الكوادر على تولي المناصب والمواقع فقد كانت قيادات حزبية كبيرة تنزل على قوائم (المستقلين) بصورة تدعو إلى التندّر والسخرية المستقلون بهذا المعنى ليسوا بالمستقلين، والصفة التي تطلق عليهم ليست لهم، وهم «أتباع» وليسوا على أي درجة من الاستقلالية.

باختصار، تكاد نظرية «الولاء والبراء» ان تنطبق عليهم إلا قليلاً عما هو معمول بها في التنظيمات الإسلاموية، وتكاد تكون «استقلاليتهم» الحقة والفعلية ان وجدت حالة من الإحراج السياسي لأصحابها. وفي بعض الأحيان كان ينظر الى «القطاع الخاص» وكأنه هو قطاع المستقلين، وكأن هذا القطاع محروم من التمثيل السياسي، ويحتاج ان يمثل ولو رمزياً تحت هذه اليافطة.

قد تكون الطبيعة الفصائلية للنظام السياسي الفلسطيني سبباً مباشراً في هذه النظرة، وخصوصاً في مرحلة النشأة والتكوين، عندما استولت حركة فتح (عن جدارة كاملة) والفصائل الأخرى على مقدرات منظمة التحرير الفلسطينية، وقد تكون العسكرة التي طبعت مراحل طويلة من المسار الفلسطيني في مرحلة الكفاح المسلح، وفي إطار الدفاع عن الثورة في الساحات العربية المختلفة أثرت كثيراً على غموض وتشوش مفهوم المستقلين في الساحة السياسية الفلسطينية، كما يمكن ان تكون حالة الصدام المباشر مع إسرائيل حتى من خلال العمل الجماهيري في شكل الانتفاضات والهبات الوطنية قد منعت او أعاقت مراجعة هذا المفهوم وبلورة رؤى اكثر تحديداً وملموسية مما كان قد ساد حتى ذلك الحين.

الوضع، اليوم، بات مختلفاً، وظاهرة المستقلين ليست صيغة للتمثيل الرمزي للقطاع الخاص، ولم تعد ظاهرة تعتاش على ظلال الفصائل او حمايتها ورعايتها، وهي باتت ظاهرة كبيرة وواسعة وتعكس طيفاً واسعاً من الكفاءات المتنوعة العابرة للطبقات والفئات الاجتماعية، والتي باتت ترى نفسها بالرغم من دورها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي الكبير بدون تمثيل سياسي حقيقي، وبدون دور حقيقي في الحياة السياسية.

المحزن ان هذه الظاهرة والكبيرة في فلسطين تكاد لا تدعى الى أي حوار وطني يعكس واقع البلاد والعباد وحاضر ومستقبل القضية والوطن، علما بأن أقصى ما تصل إليه الأمور لجهة دور هؤلاء المستقلين هي الاستدعاء لحاجة ما، في ظرف ما، ولأهداف ما.

باختصار، فإن الفصائل ونظام الفصائل ما زالوا يتعاملون مع المستقلين على طريقة (ضابّينهم لعوزة(.
أقول وأكرر إن المستقلين فئة واسعة، لديها قدرات، وهي على درجات من الكفاءة والخبرة ما يمكنهم من الإسهام الفاعل في مسار البناء الوطني والتمكين الوطني، وفي رفد التنمية الوطنية في كل المجالات، وحيث نفتقد هذه الخبرات، وحيث تغيب الكفاءات، وليس مطلوباً أن تكون ظاهرة المستقلين ظاهرة معزولة عن الكفاحية الوطنية، او ان تبدو وكأنها في تناقض او تعارض مع السياق النضالي لكل ما هو قائم منها، او ان تكون ظاهرة فوقية اجتماعياً او ثقافياً، وانما ان تكون على العكس من ذلك كله جزءاً عضوياً من الحالة الوطنية.

دعوني أُجازف بالقول هنا، ان ثمة تواطؤا ضمنيا موجودا في الأوساط الفصائلية على الظاهرة المستقلة، وان ثمة ابتعادا فصائليا واستبعادا متعمدا، وكأن وجودها ـ ظاهرة المستقلين ـ ليس حقيقياً في المنافسة، ولا في أن تمثل بالقدر الذي يعكسه انتشارها الواسع في المجتمع.

الحقيقة أن نجاح حوارات القاهرة في أحد أهم أوجه النجاح الذي أراه هو مشاركة أوسع طيف من الكفاءات الوطنية المستقلة في هذه الحوارات. غياب المستقلين الحقيقيين على طاولة الحوار حول مستقبل البلاد والعباد في فلسطين ليس سوى الانعكاس المباشر للاستقطابية السياسية في فلسطين، وليس سوى التغيب المتعمد للقائمة الثالثة، وهي ليست طبعاً قائمة الفصائل الثالثة.
عندما يختار اي مجتمع ان يغيّب مثل هذا الطيف الواسع فإنه حتماً يضلّ الطريق، فكيف يمكن أن يحدث ذلك في الحالة الفلسطينية؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.