كتابة : أكرم عطاالله     

قبل حوالي أسبوعين في الرابع عشر من هذا الشهر كلف الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستشاره الإقتصادي وعضو اللجنة التنفيذية محمد مصطفى بتشكيل الحكومة الفلسطينية التاسعة عشر في لحظة هي الأكثر ضبابية وتعقيدا في المشهد الفلسطيني إذ تتعرض اللحظة الفلسطينية لزلزال يفقدها توازنها أمام حدث صادم في غزة التي تتعرض لعملية إبادة وعنف غير مسبوق وتهجير بعد تدمير معظم بيوتها وتجريف بنيتها التحتية وإعدام للحياة فيها ما يفرض على الحكومة قيد التشكيل أعباء وأحمال أكثر وطأة من سابقاتها وأكبر من كل الإمكانيات الفلسسطينية إذا ما تحملت هذه الحكومة مسؤولية إعادة الإعمار.

لم يكن خافياً أن حكومة مصطفى جاءت في ظروف استثنائية ثقيلة أصبح الحدث الفلسطيني مركز الإهتمام الدولي لكنه على الجانب الآخر يتعرض لعملية استهداف كبير من قبل أكثر حكومات الاحتلال اليمينية تعتبر أن السلطة بكُلّيتها امتداد لإتفاق قام بتوقيعه حزب العمل " اليساري " وأن وجودها وطموحاتها السياسية تشكل خطراً على الأمن القومي الإسرائيلي وهذا ينطبق على الحكومة التي لم تنفك حكومة الاحتلال الاسرائيلي من مصادرة أموالها بهدف التضييق عليها بحجج ومبررات.

في كتاب التكليف تم تحديد المهمات وليدة اللحظة الأشد صعوبة في التاريخ الفلسطيني فوفق النص الصادر أن على الحكومة قيادة وتنظيم وتنسيق جهود الإغاثة بقطاع غزة والإنتقال من الإغاثة للإنتعاش الإقتصادي وتوحيد المؤسسات بين المحافظات والتحضير للإنتخابات الرئاسية والتشريعية والقيام بإصلاحات أمنية واقتصادية وقضائية.

كل تلك المهمات الثقيلة تصطدم بمسألتين الأولى قلة الإمكانيات أمام هول ما يتطلبه قطاع غزة من إغاثة وإنعاش كما جاء في التكليف هذا يعني أنه من الصعب أن تنجح الحكومة في مهمتها دون دعم خارجي أما الثانية الأشد صعوبة وهي أن البرنامج المكلف في تصادم شديد مع البرنامج حكومة الاحتلال  سواء بما يتعلق بغزة ورفض حكومة الاحتلال لتمدد السلطة وحكومتها للقطاع كما قال وزراء اسرائيليون أما الإنتخابات فتلك أكثر صعوبة حيث عدم السماح بإجرائها في القدس التي يجمع الفلسطينيون أن لا انتخابات دونها.

رئيس الوزراء المعين كان نائباً لرؤساء وزارات سابقة وعمل في البنك الدولي وكلف سابقاً بملف إعمار غزة ما يجعل من التكليف أقرب لشخصية ومهمات الرجل ؛ حيث الأزمات المركبة التي تنتظر حكومته التي لم تتشكل بوفاق وطني وتفاهم مع الفصائل بل ولدت في ظروف أشبه بالطوارئ حين تم استدعاء د. محمد مصطفى لإزالة آثار الزلزال الذي ضرب المنطقة. ويتضح من إختيار مصطفى أن مهماته لن تكون سياسية بل إقتصادية إغاثية إعمارية لكن مهمتها الأكبر هي استعادة ثقة المواطن الفلسطيني بالحكومة بعد أن تآكلت تلك الثقة التي يعكسها المزاج الشعبي واستطلاعات الرأي.

قد تكون مهمات الإعمار أسهل مهمات الحكومة لأن تلك تتعلق بالدعم الخارجي، لكن الأزمة في قدرة تلك الحكومة على إثبات جدارتها بالثقة وقدرتها على ممارسة دورها وقدرتها على إدارة غزة وتلك مشكوك نظراً للرفض الإسرائيلي وقد أعلنها رئيس حكومة الاحتلال صراحة " لا عودة للسلطة إلى غزة " لكن لنتوقف عند المهمة الداخلية بأزمة الثقة والتراجع.

الحكومة جزء من بنية نظام سياسي متكامل بات واضحاً أنه أصيب بمجموعة من الأمراض التي تستدعي علاجاً يصل ربما حد الجراحة، فهل هو متوفر في المناخات القائمة؟ ولأن النظام السياسي تتحمل مسؤوليته حركة فتح كان لابد وأن تتأثر الحكومة بحالة فتح المتراجعة رغم أن رئيس الوزراء الجديد ليس عضواً في لجنتها المركزية كما سلفه، لكن الأهم في تلك الحكومة هو محدودية صلاحيتها في ظل تعدد المرجعيات القائمة وتداخل السلطات التي أنتجها غياب الإنتخابات وهذا يؤثر على اداء الحكومة.

وفي ظل ضعف السلطة القضائية يصبح من الصعب تصور نجاح الحكومة ولن تكون سوى نسخة عن سابقاتها التي راكمت هذا القدر من الفجوة مع المواطن وزادت من أزمة الثقة، ولأن الحكومة جاءت في سياق داخلي صادم " حرب غزة وتبعاتها" وخارجي ضاغط لذا فإن المطلوب منها أبعد بكثير من سابقاتها، إذ أن رئيس الحكومة عليه أن يؤمن ثلاث مسائل تعتبر شروطاً ضرورياً للنجاح.

الأولى: القدرة على استعادة ثقة المواطن بالحكومة وخاصة أن الظروف السابقة داخياً وخارجيا ساهمت بقدر كبير في تقويض الحكومات ما ترك أثرا كبيرا على حضور الحكومات وأدائها.

الثانية: اختيار كفاءات مميزة قادرة على التعاطي مع الأزمات التي وجدتها أمامها في غزة وفي الضفة الغربية وكذلك توفر المصداقية والشفافية للحكومة وأفرادها وقادرة على تنفيذ البرنامج الكبير في لحظة معقدة.

الثالثة: قدرة الحكومة على الإستقلال بقرارها بعيداً عن المؤثرات الخارجية، لا يعني ذلك القطع لكن بالتأكيد يعني التنسيق مع باقي المكونات في ظل القدرة على فرض رؤيتها كحكومة مميزة تبحث عن النجاح والنهوض بالواقع المشتت.

والمقصود بذلك قدرة الحكومة على ممارسة صلاحياتها حيث ينازعها في ذلك عدة جهات لعبت دورا في تبهيت الحكومات السابقة، إذ ظهرت مع الزمن كمؤسسة صغيرة هي الأقل شأناً في النظام السياسي والأمني الفلسطيني لذا لم يحظ التكليف بالكثير من الإهتمام ليس فقط لأن الحكومة ليست وليدة حالة سياسية سوية في المجتمع الفلسطيني أو بإتفاق جمعي بين القوى أو عقد إجتماعي مع الشعب؛ بل لأن الحكومات السابقة  كان دورها يضعف في الحالة الفلسطينية ، فهل يستطيع محمد مصطفى إعادة الإعتبار للحكومة والعمل بنجاح في لحظة استثنائية وظروف استثنائية ؟ تلك تتطلب إمكانيات وإرادةرعاية ودعم  دولي وصلاحيات داخلية هما مدخل نجاح المهمات الملكلفة بها.

 الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.