بقلم: د. عمر رحال

كثيرة هي المبادرات المحلية المتعلقة بموضوعات السلم الأهلي، مبادرات اجتماعية ، فصائلية ، أهلية ... الخ، جميعها تريد تحقيق الأمن المجتمعي ، في ظل استشعار الخطر الداهم على المجتمع الفلسطيني ، السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ، لماذا تذهب المحافظات والمدن والقرى والمخيمات منفردة لإطلاق المبادرات وعقد المؤتمرات والأنشطة ذات الصلة بالسلم الأهلي ، في الوقت الذي شكلت به السلطة الوطنية الفلسطينية مجلساً أعلى للسلم الأهلي ، بصرف النظر عن الأسباب التي تقف وراء ذلك ، إلا أن أحد الأسباب من وجهة نظري المتواضعة أن ثقة المواطنين بنظامهم السياسي في تراجع دائم ، هذا إلى جانب أن المؤسسة الرسمية الفلسطينية تعمل منفردة ، دون التنسيق والتشاور والعمل المشترك مع المؤسسات الأهلية ذات الصلة بموضوع السلم الأهلي.

المرتكزات الأساسية للسلم الأهلي تتجلى في سيادة القانون واحترامه وعدم أخذ الحق في اليد ، وفي سلطة قضائية مستقلة ونزيهة وشفافة ورشيقة ، وفي مؤسسة تشريعية صاحبة اختصاص دستوري أصيل في الرقابة و المساءلة والمحاسبة وفي سن القوانين وتعديل القائم منها ، وفي احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة ، وفي تعزيز قيم التسامح وقبول الآخر ، وتعزيز قيم المواطنة ، واحترام حقوق الأقليات ، والتعددية السياسية ، وفي احترام حرية الرأي والتعبير ، وفي تكافؤ الفرص ، والعدالة الاجتماعية ، وفي التصدي لخطاب الكراهية والعنف والتحريض ، وفي مكافحة الفساد ،  وفي دور فاعل للمؤسسة الأمنية يتجلى في حماية المواطنين وممتلكاتهم وتوفير الأمن لهم ، وبتنفيذ القانون ، وبحماية المؤسسات الدستورية ، هذه هي أهم مرتكزات السلم الأهلي ، والتي يجب أن تشكل خارطة طريق للحكومة ولمؤسسات المجتمع المدني ، ولمؤسسات التنشئة الاجتماعية من أجل حمايتها وتحقيقها ، لبناء مجتمع فلسطيني متماسك ينبذ العنف والتطرف والجريمة.   

تأسيساً على ما سبق إذا أردنا سلماً أهلياً لمجتمعنا الفلسطيني ، علينا أن نعمل جميعاً كشركاء لحماية السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي ، ذلك يتطلب في المقام الأول تفعيلاً جدياً لمجلس السلم الأهلي الذي أنشأته وأقرته الحكومة الفلسطينية ، وثانياً بشراكة كاملة مع المجتمع المدني ، والقطاع الخاص ، هذا المجلس ومن أجل أخذ دوره على المستوى الوطني يجب يكون جسماً اعتبارياً ذو استقلال مالي وإداري  له خطة إستراتيجية تنبثق عنها خطة تنفيذية ومجلساً استشارياً. إن تفعيل المجلس الأعلى للسلم الأهلي بحاجة إلى إرادة سياسية ، وإلى تضافر كافة الجهود الرسمية والأهلية.

فمن المعلوم أن أحد أهم وظائف الدولة ، وأي دولة في العالم هي توفير الأمن للمواطنين والمقيمين ، هذا صحيح ، ولكن ذلك لا يعفي المواطنين والمواطنات من المشاركة بشكل فاعل في تعزيز وحماية السلم الأهلي ، استناداً إلى مواطنتهم الديمقراطية وولائهم لوطنهم ، وبالتالي هناك مسؤولية مباشرة للمواطنين والمواطنات ودور مهم في تعزيز ركائز السلم الأهلي وحمايته ، القول أن هناك مؤسسة أمنية وسلطة تنفيذية وقضائية وتشريعية مسؤولة عن السلم الأهلي (لوحدها) ، بالحد الأدنى هذا القول قاصر ، وينتقص من مواطنتنا ودورنا ومسؤوليتنا ، من هنا أيضاً هناك دور مهم وحيوي لمؤسسات المجتمع المدني والشبكات وائتلافات في هذا المضمار ، وفي مقدمته لا سيما الائتلاف المدني لتعزيز السلم الأهلي وسيادة القانون ، الذي أخذ على عاتقه من اللحظة الأولى لتأسيسه على العمل في الميدان ، وبفتح قنوات الاتصال والتنسيق والعمل المشترك مع الحكومة بغية تعزيز السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي ، وذلك من خلال تقديم الاقتراحات العملية ، وعقد المؤتمرات وورش العمل والندوات ، وتقديم توصياته إلى صناع القرار والمؤسسة الأمنية ، إلى جانب إصدار الأبحاث والدراسات وأوراق المواقف والأوراق السياساتية، تلك الدراسات والأوراق الأصيلة ، والتي تقدم الرؤى والتوصيات العملية والعلمية، التي يمكن البناء عليها من قبل المؤسسة الرسمية عندما تقوم بإصدار خططتها الإستراتيجية والتنفيذية. 

خلاصة القول اليوم نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى زيادة فاعلية التنسيق والتشبيك والعمل المشترك بين المؤسسات الرسمية والأمنية من جهة ومؤسسات المجتمع المدني ، وفي المقدمة الائتلاف المدني لتعزيز السلم الأهلي وسيادة القانون من أجل عملٍ مهني وفعّال لتعزيز السلم الأهلي في بلادنا ، ذلك يتطلب ابتداءً عدم الإقصاء ، والقناعة بضرورة أن يكون هناك شراكة بين مختلف الأطراف ، وأيضاً حضوراً فاعلاً لمؤسسات المجتمع المدني في الأجسام الحكومية المعنية بالسلم الأهلي ، هذا إلى جانب بناء قدرات وتدريب أعضاء مجالس السلم الأهلي في مختلف المحافظات ، بما فيها القيام بمسح للاحتياجات لتلك المجالس ، وأيضاً للمحافظات ، كمقدمة لتعزيز العلاقة بين الائتلاف المدني لتعزيز السلم الأهلي وسيادة القانون ، ومختلف محافظات الوطن، وصولاً إلى وضع خارطة طريق وإستراتيجية وطنية متكاملة بأهداف قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، لتعزيز السلم الأهلي، تشمل المؤسسات الرسمية والأمنية والثقافية والدينية والمدنية، في جهود متكاملة وأهداف واضحة قابلة للقياس وفق نظرة تكاملية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.