بقلم: محمد عبدالله خبيصة

فتح إعلان الحكومة الفلسطينية تحويل أجور العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، عبر القطاع المصرفي المحلي، الباب مجددا أمام أزمة حكومية مع أكثر من 180 ألف عامل.

قضية تحويل الأجور التي يعود النقاش بشأنها لأكثر من 7 سنوات، تختصر العلاقة بين العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وبين الحكومة، في رفض قاطع من قبل الغالبية العظمى لتسلم الأجور عبر البنوك.

ويعيد هذا الرفض التذكير بأزمة "قانون الضمان الاجتماعي" الذي أشعل خلافات بين القطاعين الأهلي والخاص من جهة، والحكومة من جهة أخرى، انتهي بتعليق العمل بالقانون، وسط غياب الثقة بالحكومة كضامن لأموال الضمان الاجتماعي.

قبل الخوض في المصالح الفلسطينية والإسرائيلية من قرار تحويل أجور العمال عبر القطاع المصرفي الفلسطيني، من المهم معرفة واقع العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر.

بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تشير لوجود 211 ألف عامل في إسرائيل والمستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، بواقع 183 ألف عامل في إسرائيل و29 ألف عامل داخل المستوطنات، حتى نهاية الربع الثاني 2022.

يبلغ متوسط أجور العمالة الفلسطينية في إسرائيل 272 شيكلا يوميا، بمتوسط شهري يتجاوز 1.43 مليار شيكل، أي 17.1 مليار شيكل سنويا، وهو رقم كبير مقارنة مع إجمالي فاتورة الأجور للقطاع العام الفلسطيني.

تبلغ فاتورة أجور القطاع العام الفلسطيني (الموظفون، المتقاعدون، أشباه الرواتب)، 945 مليون شيكل شهريا، بحسب بيانات وزارة المالية الفلسطينية، موزعة على 245 ألف مستفيد.

في الوقت الحالي، لا تتجاوز نسبة العمالة الفلسطينية في إسرائيل التي تتقاضى أجورها عبر البنوك 7% من إجمالي العمال، وفق بيانات سلطة النقد الفلسطينية.

وتتم العلاقة بين أرباب العمل والعمال في معظمها، على صرف الأجور نقدا (كاش) بنهاية كل أسبوع عمل، وتدخل هذه الكتلة النقدية الأراضي الفلسطينية عبر العمال أنفسهم.

مبررات فلسطينية:

الحكومة الفلسطينية، ترى أن صرف الأجور عبر القطاع المصرفي المحلي، من شأنه أن يقلل الكتلة النقدية (الكاش) في الأسواق المحلية، وبالتالي خفض أزمة تكدس الشيكل في أسواق الضفة الغربية.

وتعد أزمة تكدس الشيكل من مصادر إضعاف الاداء المالي للبنوك العاملة في السوق المحلية (13 مصرفا محليا ووافدا)، إذ تبلغ قيمتها السنوية 18 مليار شيكل بالمتوسط.

وترفض إسرائيل تحويل الشيكل المتكدس لديها على الرغم من أن العملة تتبع بنك إسرائيل (المركزي)، بما يفوق سقفا متفقا عليه بين الجانبين، ويبلغ 16 مليار شيكل سنويا.

كذلك، تبرر الحكومة الفلسطينية قرارها، بأنه سيكون وسيلة للقضاء على سماسرة التصاريح، وهو مبرر لم تقدم له الحكومة أية تفاصيل لعدم ارتباط القضيتين ببعضهما البعض.

لكن ما لم تعلنه الحكومة، أن تحويل أجور العمالة الفلسطينية في إسرائيل، من شأنه أن يقدم لها قاعدة بيانات لم تكن متوفرة لديها حتى اليوم، ترتبط بحجم أجور العمال الدقيق، ومتوسط أجر كل عامل، والأهم ضريبة الدخل المقتطعة من جانب إسرائيل.

قاعدة البيانات هذه، قد تستخدمها الحكومة الحالية أو المستقبلية، لفرض ضريبة على تلك الأجور، في وقت تواجه فيه السلطة الفلسطينية أزمة مالية حادة، هي الأسوأ منذ إنشائها.

مع فرضية إقرار ضريبة دخل تبلغ 5% على دخل كل عامل فلسطيني في إسرائيل والمستوطنات، فإن ما ستجنيه الحكومة من هذه الضريبة سنويا تتجاوز 850 مليون شيكل.

مسألة أخرى هامة، أن الإصرار الحكومي والترويج لتحويل أجور العمال عبر البنوك، يأتي بالتزامن مع رزمة قوانين يعكف على تطويرها مجلس الوزراء، ومعظمها مرتبط بطريقة أو بأخرى، بتعزيز المداخيل المالية للخزينة العامة، ما يذكي الشكوك لدى العمال حول نية الحكومة من وراء هذا التحويل.

سلطة النقد الفلسطينية، كانت أكثر وضوحا بشأن رغبتها في تحويل أجور العمال عبر البنوك، إذ ترى أن القرار سيعزز الشمول المالي، ويفتح باب المنتجات المصرفية وخدماتها أمام العمال.

فمتوسط أجر العامل الشهري لا يقل عن 6 آلاف شيكل، ما يجعله هدفا للتسهيلات الائتمانية والمنتجات المصرفية، والأهم أن إعفاء أجور العمال من أية عمولات أو رسوم، قد لا يكون إلى الأبد، لأن كل حساب مصرفي يحمل أعباء تشغيلية على البنك، وبالتالي قد يكون هذا الإعفاء مؤقتا لغرض تحفيز العمال على آلية صرف أجورهم عبر المصارف.

مبررات إسرائيلية:

الجانب الإسرائيلي أقل تحمسا لمسألة تحويل أجور العمال الفلسطينيين عبر البنوك، لكنها ترى أن القرار سيزيد من مكافحة التهرب الضريبي هناك، ويزيد من نقل الأموال من اقتصاد الظل إلى القنوات المصرفية، وبالتالي يكون كل شيكل تحت أعين سلطات الضرائب.

المسألة الثانية، هي تسهيل العمل بالمرحلة الثانية من قانون "لوكر" الخاص بخفض تعاملات الكاش داخل إسرائيل، والذي دخل حيز التنفيذ في أغسطس/آب الجاري، والذي يمنع الأفراد عن شراء أو تقديم أية مبالغ تزيد عن 6 آلاف شيكل نقدا.

مع ان عملية تحويل رواتب العمال الفلسطينين الى البنوك خطوة ايجابية للعامل والاقتصاد الوطني وخاصة في ضمان حقوق العامل والحد من عملية الابتزاز وسماسرة التصاريح، الا ان رفض العمالة الفلسطينية داخل الخط الاخضر لقرار تحويل الأجور، بأزمة ثقة - ليست وليدة اللحظة - مع الحكومة الفلسطينية، حتى لو كانت الأخيرة تكن الصدق في مساعيها تنظيم سوق عمالة مواطنيها داخل الخط الاخضر؛ خشية من فرض الضرائب.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.