كتبت: وفاء عاروري

لم أستطع أن أنام ليلتي الماضية، منذ أن أصبحت امَا، بِت أفكر كثيرا في أمهات وطني، كيف يستطعن تحمل كل هذا الفقد؟ ما الذي يمنحهن القوة إلى هذه الدرجة؟ وأنا كلما طلبت والدتي مني أن أبقي طفلتي عندها لليلة واحدة، أجبت: "أخاف أن تصحو ولا تجدني بجانبها فتبكي"...

يصادف هذه الأحداث العصيبة، اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، الذي يأتي في السادس والعشرين من تشرين أول من كل عام، هذا اليوم الذي خصص لتكريم وتقدير المرأة الفلسطينية، ولكن في نفس الوقت لتذكر معاناتها وتحدياتها التي تعيشها كل يوم.

نساؤنا اللاجئات في المخيمات، على سبيل المثال، يعانين كل أشكال الاضطهاد والتمييز والإفقار، فهن يعشن عذابات وويلات مضاعفة عن غيرهن، يتحملن الفقر والضيق والاكتظاظ وانعدام الخصوصية، وتدني مستوى الخدمات إلى درجة كبيرة، كلها عذابات أخرى أضيفت على عذابات النساء الفلسطينيات اللواتي يعشن في المدن والقرى الفلسطينية المختلفة.

اللاجئات في المخيمات عبرن مرارا وتكرارا عن التهميش الذي يعانينه على مستوى الفرص والافاق، فالحكومة شبه مغيبة عن نساء المخيمات، وبدلا من أن تعمل على توفير فرص عمل وعيش كريم لهن، فإن الكثير من اللاجئات يتجهن للعمل في المستوطنات، ليوفرن قوت أطفالهن، وعلى مرأى الجهات الرسمية ودون أن تحرك ساكنا.

وتشير التقارير الصادرة عن جهاز الإحصاء المركزي إلى انتهاكات كبيرة تتعرض لها النساء في مجتمعنا، فعلى سبيل المثال لا الحصر 58% من المتزوجات حاليا أو من سبق لهن الزواج، تعرضن للعنف النفسي من أزواجهن، وهو أكثر أنواع العنف انتشارا في مجتمعنا..

وعن مستوى مشاركتها في القوى العاملة بين التقرير ذاته أن 17% فقط هي نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة لعام 2021 في حين أن نسبة مشاركة الرجال بلغت نحو 69%، ما يشير إلى فجوة كبيرة في الفرص التي تعطى للنساء مقابل الرجال.

ولا يمكننا أن نتجاهل أيضا أن مشاركة النساء في مواقع صنع القرار والمواقع القيادية لا تزال محدودة ومتواضعة مقارنة مع الرجال، حيث أظهرت بيانات جهاز الإحصاء المركزي لعام 2022 أن النساء تشكل حوالي 25% من أعضاء المجلس المركزي و11% من أعضاء المجلس الوطني، و12.5% من أعضاء الحكومة، كما أن هناك امرأة واحدة فقط تشغل منصب محافظ من أصل 16 محافظ، و 2% فقط من رؤساء الهيئات المحلية في فلسطين هنَ من النساء.

 المرأة في وطننا على وجه العموم لم تسلم من جرائم الاحتلال أبدا، ولكن في الوقت ذاته لم يرحمها المجتمع، ولم تنصفها القوانين، ولا العادات والتقاليد البالية، فتحكم المجتمع وقرر عنها حتى أكثر قرارات حياتها خصوصية، مثل:" لا أريد الزواج الان؟ الجيزة سترة الله يستر عليكي.. لا أريد ان أنجب أطفالا الآن: خلفي بدنا نشوف احفادنا، سأكمل تعليمي: البنت نهايتها لبيت جوزها، أريد حقي من الميراث لأفتح مشروعي الخاص واستقل: ما عنا بنات تقاسم اخوتها بمال ابوهم، قررت الطلاق: آه خليكي تصير علكة بفم الناس، جوزي بضربني: معلش هو طيب بس عصبي شوي تحمليه تخربيش بيتك.. وهلم جرا"

حملها المجتمع أكثر من طاقتها، سلبها حتى حق البكاء في الفقد، كي لا يشمت الاحتلال! هل أكثر من هذا ألما وجرحا لإنسانيتنا؟ فأي كلمة تصف نساء هذا الوطن وتعطيهن حقهن؟ هن الماجدات على مر الزمن، هن الصابرات على ابتلاءات هذا الوطن، هن المعطاءات، المثابرات، المبدعات رغم كل التحديات والمحن...

حقيقة واحدة لا يمكن التشكيك فيها من أي طرف، هي أن النساء في وطننا بحاجة إلى قوانين حقيقية تحمي حقوقهن وتتعامل معهن كشريك حقيقي في بناء المجتمع والدولة، لا كحلقة أضعف في كافة المجالات، ومن هذا المنطلق فإن السؤال المشروع: لماذا تبقى مسودات القوانين الخاصة بالنساء سنوات طويلة على طاولة المشرع الفلسطيني، في حين أن قوانين أخرى ليست ذات أهمية مجتمعية أبدا وليست ضرورة ملحة، لا تتحمل أكثر من جرة قلم؟

سؤال يراودني..

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.