بقلم: طلال أبو ركبة
أفرز واقع النزوح القسري المفروض على كل سكان قطاع غزة بلا استثناء، ثقافة جديدة على المجتمع الفلسطيني يمكن أن نطلق عليها ثقافة النزوح، وهي الثقافة التي تعكس سلوك وممارسات النازحين في البحث عن مأوى آمن وتأمين حياة كريمة ولو بالحد الأدنى للكرامة الإنسانية. حيث باتت ثقافة الأنا هي الثقافة السائدة في سلوك النازحين، والتي تسيطر على حياة النازح نتيجة حالة الصراع اليومية مع الاحتياجات الأساسية والتي يسعى النازح بكل قوة لتوفيرها كل يوم.
وتبرز معضلة توفير المياه الصالحة للاستخدام، وحطب الطهي كمسألتين لهما أولوية في حياة النازحين. فرض الوقع المأساوي على النازحين حالة من الصدمة والتوتر والقلق في مواجهة الأيام التي تزداد يوماً بعد آخر، في ضوء فشل كافة المؤسسات العاملة في القطاع الإنساني في التصدي لواقع الكارثة التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على المجتمع الفلسطيني، وسيادة حالة الفوضى والعشوائية في التعامل مع النزوح وإفرازاته.
فشل المؤسسات الإنسانية في الاستجابة لمتطلبات النزوح في توفير الحدود الدنيا من الكرامة الإنسانية للنازحين، دفعهم لأخذ زمام المبادرة في توفير حياة كريمة لأسرهم، وإن كانت تلك الحياة قد تشهد تعديات على حقوق الآخرين وهيمنة القيم الفردية وتراجعت القيم الجمعية في حياة النازحين.
كما يعتلي المشهد حالة من الاستغلال البشع لاحتياجات النازحين، حيث ارتفعت وتضاعفت معدلات الإيجار بشكل جنوني في محافظة رفح والتي تشهد أكبر معدل نزوح بلغ حتى اللحظة ما يقارب من مليون وثلاثمئة ألف نازح من مختلف أنحاء قطاع غزة حتى اللحظة ولا يزال الرقم قابلا للارتفاع. كما تشمل حالة الاستغلال كافة السلع الأساسية والتي تضاعفت قيمتها إلى ما يقارب عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
تجدر الإشارة إلى أن النازحين تحولوا إلى حطابين وسقاة للتعامل مع الحياة الجديدة ومتطلباتها، وباتت طوابير المياه، وطوابير الخبز مكون أساس في مشهد النزوح الفلسطيني، والتي تشهد يوميا صراعات دامية ومشاكل بين المصطفين للحصول على جالون مياه أو ربطة خبز.
يفرز هذا الواقع حالة من التفكك المجتمعي والقيمي على المجتمع الفلسطيني في القطاع، خصوصا وأن الواقع يفرض ذاته على تفاصيل الحياة اليومية للنازح، والذي يعاني بشكل كبير من أجل النجاة بأطفاله من براثين النزوح، الذي يلتهم أرواح النازحين وقيمهم.
تتطلب أي معالجة طارئة لواقع الانهيار والتفكك في النسيج المجتمعي مع اعتلاء ثقافة الأنا في حياة النازحين ضرورة أن تنتبه المؤسسات الإنسانية إلى المعالجة الخاطئة التي قامت بها خلال الأشهر الماضية والتي اعترتها الفوضى والشخصنة والفوقية في التعاطي مع متطلبات النزوح، وخصوصا المحسوبية والواسطة والازدواجية في توزيع المساعدات، والتي تحكمت بها علاقات القرابة والمصلحة على حساب التوزيع العادل والشفافية في توزيع المساعدات على النازحين إلى الدرجة التي باتت فيها المساعدات تباع في الأسواق من قبل تجار ولصوص المساعدات.
مما لا شك فيه أن النزوح القسري الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي على سكان القطاع كافة يهدف في الأساس إلى ضرب البنى المجتمعية ودفع المجتمع الفلسطيني إلى حالة الفوضى والفلتان والانهيار المجتمعي وضرب النسيج الاجتماعي، الأمر الذي تساعده دون شك الاستجابة الفاشلة من قبل المؤسسات الإنسانية في التصدي لأهداف الاحتلال.
بات مطلوبا منا جميعا ضرورة وضع خطة طوارئ قادرة على الاستجابة لمتطلبات النزوح، تتكاتف فيها كافة الجهات الرسمية والأهلية من خلال العمل على استعادة التوازن في التعاطي مع مخرجات النزوح، والذي يبدأ من خلال توحيد الجهود، ورقمنتها منعا للازدواجية أولا، ولتحقيق الشمولية ثانيا في الوصول إلى كافة النازحين، فهل تنتبه إلى ذلك أم تبقى أسيرة الفوضى والعشوائية؟!
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.