بقلم: د. ماهر الشريف - باحث ومؤرخ - مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت

في حربها ضد الشعب الفلسطيني، لجأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وخصوصاً منذ مطلع هذه الألفية الثالثة، إلى جميع أشكال الإبادة.

فقبل أن تتقدم حكومة جنوب أفريقيا، مؤخراً، بدعواها أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، متهمة إياها بارتكاب أعمال إبادة جماعية في حربها على الفلسطينيين في قطاع غزة، كان قد برز، منذ سبعينيات القرن العشرين، مصطلح "الإبادة السياسية"، الذي لجأ إليه عالم الاجتماع النقدي الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ، في كتاب أصدره في سنة 2003 بعنوان: "إبادة سياسية: حروب أرييل شارون ضد الشعب الفلسطيني"، متهماً حكومة بلده بتنفيذ "مجموعة واسعة من الأنشطة الاجتماعية والسياسية والعسكرية"، التي تهدف إلى "وضع حد للوجود السياسي والقومي" للشعب الفلسطيني، وبالتالي إنكار "حقه في تقرير المصير".

ثم اتهم بعض الحقوقيين وعلماء الاجتماع الدوليين إسرائيل، عقب تأسيس محكمة راسل بشأن فلسطين في سنة 2009 بُعيد الحرب التدميرية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في إطار العملية التي أطلقت عليها اسم "الرصاص المصبوب"، بارتكاب أعمال "إبادة مجتمعية"، بغية القضاء على مقومات حياة المجتمع الغزي ومنعه من إعادة إنتاج نفسه.

شيوع مصطلح "إبادة المنازل" ،،

منذ احتلالها الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة في سنة 1967، لجأت الحكومات الإسرائيلية إلى هدم منازل الفلسطينيين بذرائع مختلفة؛ فهي هدمت منازل مقاومين بذريعة أنهم استهدفوا بعملياتهم جنود الاحتلال ومستوطنيه، ومنازل مواطنين بذريعة أنهم بنوها من دون الحصول على تصريح من سلطات الاحتلال، ومنازل مقدسيين بذريعة أن يهوداً كانوا "يمتلكونها قبل سنة 1948"... إلخ.

وفي حروبها المتوالية على قطاع غزة، منذ اواخر سنة 2008، دمّرت القوات الإسرائيلية، بذرائع واهية، عشرات آلاف المنازل، أو ألحقت أضراراً كبيرة بها. بيد أن الحجم الحالي للدمار في قطاع غزة هو من نوع مختلف، ذلك إن حكومة بنيامين نتنياهو استهدفت على نطاق واسع، خلال الحرب التي تشنها منذ أكثر من مئة يوم على قطاع غزة، منازل الفلسطينيين، وذلك بهدف واضح هو جعله غير صالح للسكن، ودفع سكانه إلى الهجرة منه. وأمام حجم الدمار الذي لحق بالوحدات السكنية فيه، برز مصطلح "إبادة المنازل" ( domicide ) في كتابات المحللين وتقارير الخبراء الذين تابعوا أحداث هذه الحرب.

كان هذا المصطلح قد ورد، لأول مرة، في سنة 2001 في كتاب أعدّه عالم الجغرافيا ج. دوغلاس بورتيوس والأستاذة المساعدة في الجغرافيا ساندرا سميث في كتابهما: Domicide: The Global Destruction of Home (التدمير الشامل للمنازل)، الذي صدر عن منشورات جامعة مكغيل في مونريال. وفي تموز/ يوليو 2022، لجأ بالاكريشنان راجاجوبال، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في السكن اللائق، إلى هذا المصطلح للإشارة إلى "التدمير الواسع النطاق أو المنهجي لمساكن المدنيين أثناء النزاعات".

وأوضح، في تقرير قدمه، في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد زيارته الضفة الغربية المحتلة: "رأيت كيف يتم في ثوانٍ معدودة تدمير منزل، وهو تتويج لجهد مدى الحياة، وفخر لعائلات بأكملها، وتحويله إلى أنقاض؛ إنه ليس مجرد منزل تم تدميره، بل هو أيضاً مدخرات عائلات بأكملها، والذكريات، والشعور بالانتماء إلى مكان ما؛ إن تدمير المنزل يسبب صدمة اجتماعية ونفسية يصعب عليّ وصفها أو حتى تخيّلها".

وفي 13 شباط/فبراير 2023، دعا بالاكريشنان راجاجوبال، في تقرير مشترك أعدّه مع فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967، وبولا غافيريا بيتانكور، المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للمشردين داخلياً، بتفويض من مجلس حقوق الإنسان، "إلى محاسبة إسرائيل على هدمها المتعمد والممنهج لمنازل الفلسطينيين"، وأضافوا أن إسرائيل "تقوم بهدم منازل الفلسطينيين وتحرمهم من تصاريح البناء بشكل منهجي في الضفة الغربية، بينما تقوم أيضاً بإقامة مستوطنات غير شرعية"، معتبرين "أن التكتيكات الإسرائيلية المتمثلة في التهجير القسري للسكان الفلسطينيين وطردهم لا حدود لها"، وأن "الهجمات المباشرة على منازل الشعب الفلسطيني ومدارسه ومصادر رزقه وموارده المائية ليست سوى محاولات إسرائيلية للحد من حق الفلسطينيين في تقرير المصير وتهديد وجودهم".

كما ذكروا أن عشرات العائلات الفلسطينية تواجه أيضاً مخاطر وشيكة من عمليات الإخلاء القسري والتهجير"بسبب أنظمة التقسيم والتخطيط التمييزية التي تؤيد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي - وهو عمل غير شرعي بموجب القانون الدولي ويرقى إلى جريمة حرب".

الحرب الإسرائيلية على غزة ،،

أشار تقرير أصدرته هيئة الأمم المتحدة، في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2023، إلى أن 45% من المنازل في قطاع غزة دُمرّت أو تضررت جراء القصف الإسرائيلي.

وبحلول يوم 29 من الشهر نفسه، وهو تاريخ بداية وقف إطلاق النار المؤقت الذي تم التخلي عنه فيما بعد، أظهرت صور الأقمار الصناعية أن 98 ألف مبنى قد تضررت في القطاع، ثم ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في أواخر كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، أن 70% من المنازل، ونحو نصف المباني في قطاع غزة، تضررت أو دمرت، وهو "دمار لا مثيل له في حروب المدن الحديثة"، ذلك إن إزالة الأنقاض "ستستغرق سنة على الأقل"، بينما يستغرق إعادة بناء المنازل المدمرة "ما بين سبع إلى عشر سنوات".

ووصفت الأمم المتحدة قطاع غزة بأنه بات "مكاناً للموت واليأس" وببساطة "غير صالح للسكن"، وأعرب منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، يوم الأحد في 7 كانون الثاني/يناير الجاري، عن أسفه لأن سكان القطاع، وخصوصاً النازحين من منازلهم وهم نحو 1.8 مليون نسمة، "يواجهون تهديدات يومية أمام أعين العالم". بينما رأت جوليا غرينيون، المديرة العلمية لمعهد البحوث الاستراتيجية التابع للمدرسة العسكرية (IRSEM) في فرنسا، أن "مصطلح إبادة المنازل يسمح لنا بوصف الواقع [في القطاع]؛ من الصحيح أن هذا المصطلح لا يضيف شيئاً على المستوى القانوني، لكنه يلفت الانتباه لما يحدث"، كما يسمح بالإشارة إلى الحقوق المنتهكة الناجمة عنه مثل "الحق في الحصول على المياه، والصرف الصحي، أو الحق في التعليم في حالة المدارس المدمرة".

ومن بين المباني المدمرة أو المدمرة جزئياً المحكمة الفلسطينية الرئيسية في غزة، والمعروفة باسم قصر العدل، ومجمع المجلس التشريعي، و339 مؤسسة تعليمية و167 مكاناً للعبادة، والمكتبة العامة الرئيسية، وجامعات غزة الأربع، والمباني الأثرية في مدينة غزة القديمة مثل "حمام السمرة" الذي يعود إلى العصر المملوكي والمسجد العمري الكبير ودير القديس هيلاريون، وميناء غزة والعديد من المتاحف، بما في ذلك متحف رفح الجديد للتراث الفلسطيني، في حين أن 26 من أصل 35 مستشفى في القطاع باتت لا تعمل. ورأى هيو لوفات من "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" أن إسرائيل "تدمر عمداً وبصورة منهجية المؤسسات المدنية والبنية التحتية التي ستكون ضرورية لحكم غزة وتحقيق الاستقرار فيها بعد الصراع". كما كشفت صور الأقمار الصناعية "عن محو أحياء بأكملها في غزة من على وجه الأرض، بما في ذلك حي الكرامة في الجزء الشمالي من مدينة غزة، وأجزاء واسعة من مخيم جباليا للاجئين، وبلدة بيت حانون في الجزء الشمالي الشرقي من القطاع، وعن تدمير البساتين والدفيئات الزراعية والأراضي الزراعية في شمال غزة، وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش": "في شمال شرق غزة، شمال بيت حانون، أصبحت الأراضي الزراعية الخضراء بنية اللون ومقفرة، وتعرضت الحقول والبساتين للأضرار لأول مرة خلال الأعمال القتالية التي أعقبت الغزو البري الإسرائيلي في أواخر أكتوبر/تشرين الأول، وقامت الجرافات بحفر طرق جديدة أمام المركبات العسكرية الإسرائيلية".

هل يمكن أن تصبح "إبادة المنازل" جريمة دولية متميّزة؟

إن عدد سكان قطاع غزة الذين لم يعد لديهم منازل يسكنونها يصل إلى مئات الآلاف اليوم. وفي الواقع، فإن كلمة "المنزل" لا تقتصر، في لغات عديدة، على مكان السكن، بل تشمل كل ما يحيط بهذا المكان من أمن، وراحة، وحصول على ماء وكهرباء، بحيث يتسبب تدمير المنزل في حرمان صاحبه من إمكانية الوصول إلى جميع أسباب الحياة اللائقة هذه، وينطوي على جانب نفسي مؤلم للشخص الذي يعيش فيه.

ومع ذلك، فإن مصطلح "إبادة المنازل" لا وجود له في القانون الدولي وليس له تعريف واضح، وهو لا يُعتبر جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، ولا يندرج ضمن أفعال الإبادة الجماعية، وهو ما يخلق "فجوة" في القانون الدولي. ولهذا، طالب عدد من الخبراء، ومنهم بالاكريشنان راجاجوبال، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالسكن اللائق، بخلق جريمة جديدة في القانون الدولي، هي جريمة "إبادة المنازل" أو "قتل المنازل"، إذ وجّه، في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، نداءً إلى الأمم المتحدة "لاعتبار إبادة المنازل جريمة دولية في حد ذاتها، أو الجريمة الدولية الخامسة بعد جريمة العدوان، وجريمة الإبادة الجماعية، وجريمة الحرب، والجريمة ضد الإنسانية، التي يمكن محاكمتها أمام المحاكم الوطنية والدولية".

وبعد قيام إسرائيل بشن حربها على قطاع غزة، أشار إلى أن أعمال إسرائيل الحربية "تدمر وتلحق الضرر بصورة منهجية بمنازل المدنيين والبنية التحتية، مما يجعل مدينة بأكملها - مثل مدينة غزة - غير صالحة للسكن بالنسبة للمدنيين"، وذلك "على الرغم من أن حماية منازل المدنيين مشمولة في نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية لجرائم الحرب المرتكبة في النزاعات بين الدول"، ودعا "البلدان التي تعارض ما يجري في غزة، مثل أفريقيا الجنوبية واسبانيا، إلى فعل ما فعلوه تماماً في مجال المجاعة لسد هذه الفجوة، وضمان إمكانية محاكمة مرتكبي أعمال التدمير الشامل للمساكن في غزة"، ملاحظاً أن التدمير واسع النطاق للمنازل في غزة "ليس نتيجة عرضية للحرب، بل هو هدف في حد ذاته، وذلك استناداً إلى الحقائق وكلمات القادة الإسرائيليين".

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن حكومة جنوب أفريقيا ذكرت، في دعواها التي اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب أفعال إبادة جماعية، أن "هناك قدراً هائلاً من المنازل المدمرة في قطاع غزة، وأن هذا قد يفي بالتالي بالمعيار الثالث من معايير الإبادة الجماعية، المتمثل في إخضاع الجماعة المتعمد لظروف معيشية يقصد بها أن تؤدي إلى تدميرها المادي كلياً أو جزئياً".

حوّل جيش الاحتلال غزة إلى "خربة"!

"مشارح مكتظة بالعائلات المكلومة، وسكان مرهقون ومذعورون، وأحياء تحوّلت إلى غبار، ونظام صحي راكع على ركبتيه"؛ هكذا وصفت صحيفة "لوماتان" الفرنسية، في عددها الصادر في 11 كانون الثاني/يناير الجاري، الأوضاع في قطاع غزة، بعد مئة يوم على الحرب التدميرية التي تشنها إسرائيل عليه.

"إنها مائة يوم فقط، لكنها تبدو وكأنها مائة عام"، يقول عبد العزيز سعدات، الذي فرّ مثل الغالبية العظمى من السكان من منازلهم ويعيش في مخيم إيواء مؤقت في رفح، ويضيف: "لا يمكن التعرّف على المنطقة الساحلية الصغيرة المكتظة بالسكان، فالأحياء التي عادة ما تكون شوارعها مزدحمة وصاخبة لم تعد الآن سوى أطلال؛ البعض يعيش في المدارس، والبعض الآخر في الشوارع، على الأرض، وآخرون ينامون على المقاعد؛ لم تستثنِ الحرب أحداً".

وتتابع الصحيفة، فتكتب: "لقي أكثر من 23300 شخص حتفهم، معظمهم من النساء والقاصرين، وأصيب حوالي 60 ألفا، ولا يزال الآلاف مدفونين تحت الأنقاض"، وتنقل عن صحافيي وكالة فرانس برس أنه "بسبب ضيق المساحة في المقابر، تم حفر مقابر جماعية في البساتين وأفنية المستشفيات وحتى في ملعب لكرة القدم. وتضيف: "كما هو الحال في يوم مروع لا نهاية له، فإن المشهد يتكرر كل يوم: رجال ونساء بالدموع يتعرفون على الجثث الملفوفة بأغطية بلاستيكية بيضاء...وتأثرت العديد من المخابز أو أغلقت بسبب نقص الوقود... المتاجر فارغة، ولا يوجد مال لشراء الطعام، الناس يموتون من الجوع". وبعيدًا عن المعاناة الجسدية، والرعب، ومناظر الدمار، تعرب هديل شحاتة، 23 عامًا، عن يأس الشباب، في هذه المنطقة التي نصف سكانها من القاصرين: "يمكن أن يخسر الأطفال سنوات من حياتهم بالعيش هنا... لقد ذهب كل شيء هباءً، وضاع كل شيء، لقد فقدنا كل أحلامنا".

 الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر صاحبها وليس بالضرورة رأي المؤسسة او الممول.